نبش في الماضي القريب للولايات المتحدة
لا شك أن الحاضر هو ابن الماضي والمستقبل هو ابن الأول وحفيد الثاني ,وان القواعد التي أسسها ميلر في علوم الجينات تحتم أن تتشابه الصفات بين الأب وابنه ,ولذلك فإن تاريخ الولايات المتحدة هو الأب الشرعي لحاضرها وهوالذي يرسم شكل مستقبلها وملامحه.
فالولايات المتحدة قامت أساسا على أربع موجات من الهجرة أولها كانت هجرة المغامرين الذين يريدون استكشاف هذه الأراضي الجديدة وثانيها كانت جنود الملوك والأمراء في أوروبا ممن أرادوا سرعة تقاسم هذه الأراضي ليحصل كل منهم على ما استطاع قبل غيره ,والهجرة الثالثة كانت هجرة ألوف السجناء من أوروبا ممن شاء الملوك ارسالهم للعمل في البحث عن الذهب كمنفى اجباري يضاف إليه أعمال شاقة مؤبده ,ثم مجموعة من الأفاقين واللصوص ممن سمعوا عن الفرص الكثيرة في الأرض الجديدة وأخيرا مجموعة من المضطهدين دينيا أو مذهبيا ممن أرادوا تحقيق أحلام عجزوا عن تحقيقها في أوطانهم.
هؤلاء جميعا لم يكن يجمعهم قومية واحدة ولا ديانة أو مذهب واحد بل كانوا خليطا يجمعهم “المصلحة” المشتركة ولم يكن هؤلاء وهم يعبرون الأهوال ويخوضون عباب البحار ليتصوروا أنهم يفعلون ذلك من أجل عالم حر ملئ بالمساواة بل كان هدف كل منهم أن يسبق زميله بل ويعقيه إن استطاع فإن السياسة الأمريكية عموما كانت تعتمد على تدمير الأخر لو عرقل مصالح الولايات المتحدة فكما فعل المهاجرين بالسكان الأصليين فعل أحفادهم بفلسطين وفيتنام ولاوس وغيرهم
المشكلة التي قابلت هؤلاء الأحفاد هي حقارة ماضيهم وخلوه من الأبطال ,فأبطالهم وفاتحيهم مجموعة من الافاقين واللصوص ولذلك كان من ثقافة هذه الدولة اختراع أبطال وهميين سوبرمان وبات مان والرجال سين والرجل العنكبوت وغيرهم ليعالجوا نقصا خصهم دون غيرهم من الحضارات لأمة بلا تاريخ تقود العالم كله
وأنقل نقلا من كتاب “الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق” لمحمد حسنين هيكل يتحدث عن مشكلة التاريخ: “لم يجلس مفاوض عربي – أو محاور عربي – ازاء نظير له أمريكي وحاول أن يقدم أو يشرح له قضية فلسطين إلا وسمع منه أن يعفيه من الخلفيات التاريخية ,فهي تفاصيل لم تعد تهم لأن الحاضر الراهن هو النقطة التي نعيشها ونتصرف منها بغض النظر عما سبقها! “
وهذه النقاط ستشكل أحد أهم خصائص القرار السياسي الأمريكي لاحقا
تكلفة الدم وخصخصة الحروب
فإن المجتمع الأمريكي في حسابه للنجاح على أساس الأرباح والخسائر كان دائما مستعدا للتكلفة المادية مترددا في ذات اللحظة إذا كانت التكلفة دما وذلك موقف يسهل فهمه لأنه إذا كانت فكرة المصلحة هي الجامع المشترك فإن الدم لا تصبح له ضرورة بل إنه يتعارض مع العقد الأساسي لشراكة المصلحة بمعنى أن الشراكة تنظيم يدخل فيه كل طرف بحصة من رأس المال ولكن الدم يظل خارج الحسبه لأنه لا يحتمل الربح والخسارة
وذلك يفسر لماذا جائت الولايات المتحدة في كل حروبها متأخرة وفي بعض الأحيان متأخرة جدا ,فقد شاركت في الحرب العالمية الأولى سنة 1917 رغم أن الحرب بدأن في سنة 1914 أي أن الولايات المتحدة تعمدت الوصول متأخرا بعد أن سالت الدماء أنهارا لكي تكون في مقاعد المنتصرين وقت تقسيم الغنيمة وحساب الأرباح وتحديد نسب توزيعها !
وفي نفس الشئ تكرر في الحرب العالمية الثانية فقد بدأت في سبتمبر سنة 1039 وشاركت فيها الولايات المتحدة بعد أكثر من سنتين بعد أن تأكدت أن بريطانيا كسرت شوكة الطيران الألماني في سماء لندن وأن مدرعات هتلر غرزت في وحول الشتاء الروسي وقتها فحسب شاركت رغم أنها كانت طرفا في الحرب ولكنها فضلت في البداية أن تكون مساهماتها بالقروض والمساعدات والإعارة والتأجير حتى تستوفي حمامات الدم مطالبها
كل هذه النقاط تشكل تفسيرا للكثير من المصطلحات السياسية في قاموس السياسة الخارجية الأمريكية مثل الحروب الإستباقية وثمن الدم الأمريكي
وللتدليل على ما سبق يمكننا دراسة حالتين فريدتين في التاريخ الإنساني برمته والأولى كانت في سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية بعد هجوم بطولي دفع ثمنه مئات من الجنود الأمريكان حتى صارع الرئيس الأمريكي جونسون لإجلاء الجنود الأمريكان من أرض المعركة عن طريق طائرات حلقية عالية كانت تطير من فوق سقف السفارة الأمريكية.
أما النموذج الثاني فهي حالة اجلاء جنود المارينز من لبنان عقب هجوم أدى لمقتل 400 جندي فصدرت الأوامر بإجلاء الجنود من لبنان قبل مطلع شمس اليوم التالي مباشرة.
وكل ذلك كان نقطة ضعف خطيرة دائمة عند الولايات المتحدة في كل حروبها فهي غير قادرة على تحمل خسائر بشرية في سبيل حروب توسعية بدون مخاطر حقيقية ولذلك اعتمدت الولايات المتحدة دائما على استراتيجيتين هامتين أولهما هي البحث عن وكيل محلي وشريك دولي لأي حرب والإستراتيجية الثانية هي استخدام شركات السمسرة الأمنية لتقوم بمهمة الجنود الأمريكان في الإقتحامات وفي الأماكن الملتهبة.