نجاح سياسة الحزب الجمهوري
أدى تطور سياسة الحزب الجمهوري إلى نجاحه خلال فترة السبعينات من الفوز بأربع انتخابات رئاسية من ستة سباقات للرئاسة الأمريكية، وتمكن الأعضاء الجمهوريون من السيطرة على مجلس الشيوخ الأمريكي سبع دورات من اثنتي عشرة دورة، كما تحكّـم الجمهوريون في مجلس النواب الأمريكي خلال العقدين الأخيرين.
يكمل إبراهيم الحمامي في بحثه قائلا:
“ونظراً لإدراك اليمينيين المسيحيين في أمريكا أن الحزب الجمهوري يُـكرس جهوده لاستمالتهم وكسب أصواتهم، شعروا بأنهم أصبحوا قوة مؤثرة في العملية السياسية الأمريكية بعد أن كانوا تقليدياً بعيدين عن حلبة النشاط السياسي، وبالتالي أصبحوا أكثر اهتماماً من الناخبين العاديين بالمشاركة في الانتخابات، لدرجة أنهم أصبحوا يشكّـلون واحداً من كل سبعة ناخبين، وأصبح بوسعهم تحديد برامج الحزب الجمهوري في حوالي نصف عدد الولايات الأمريكية الخمسين، وخاصة في ولايات الغرب الأوسط والولايات الجنوبية.
وتقول صحيفة واشنطن بوست: إنه للمرة الأولى منذ أصبح اليمين الديني المحافظ حركة سياسية معاصرة في الولايات المتحدة؛ تحوّل الرئيس الأمريكي إلى الزعيم الفعلي لتلك الحركة، ويدلل الكاتب الأمريكي بوب وودوورد على ذلك بقوله: أن الرئيس بوش ردد عدة مرات أن «الرب دعاه ليرشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة في مهمة تدخل في نطاق الخطة الإلهية لتصدير الموت والعنف لربوع الأرض دفاعاً عن بلده العظيم، وتخليصاً للعالم من رموز الشر».
ويخلص الكاتب بوب وودوورد إلى أن الرئيس بوش يعتقد أنه قبل مسؤولية قيادة العالم الحرّ كجزء من خطة الرب، حيث قال لرئيس الوزراء الفلسطيني المستقيل محمود عباس:«لقد أبلغني الرب بأن أهاجم القاعدة وفعلت ذلك، ثم طلب مني أن أهاجم صدّام حسين ففعلت، وأصبح العراق بابيلون (بابل) الجديدة».
وقد كان الحزب الجمهوري تقليدياً أكثر اعتدالاً في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي بسبب الروابط بين توجهات الحزب الاقتصادية التي تميل لمصالح الأثرياء، وصناعة البترول التي تسعى للإبقاء على التدفق الحر للبترول العربي وبأسعار معقولة، وكذلك لاعتقاد زعماء الحزب الجمهوري بأن إظهار قدر كبير من المساندة لإسرائيل يمكن أن يفضي إلى تحول القوميين العرب إلى التطرف الإسلامي.”
مظاهر تأثر السياسة الأمريكية بصعود اليمين المسيحي
ويكمل الحمامي في موضع أخر من بحثه القيم ويقول:
” وفي أحدث دراسة أجرتها مؤسسة «بيو» لبحوث الرأي العام تبين أن72% من الأمريكيين يريدون أن يكون رئيس الولايات المتحدة على قدر كبير من الإيمان الديني، وأن يستعين الرئيس بذلك الإيمان كمُـرشد في رسم السياسة، غير أن الدراسة أظهرت كذلك قلق غالبية الأمريكيين من تدخل الزعماء الدينيين والكنائس الكبرى في السياسات الحزبية.”
ويتجلى نتيجة هذه القراءة لحقيقة ذكرها الكاتب الأمريكي أندرو ماسلوسكي وهو يشغل منصب باحث بمعهد بروكينغز بواشنطن وهذه المقالة نشرها موقع الجزيرة في عام 2006 ويقول فيه:
“دعونا نلقي نظرة فاحصة على نفوذ اليمين الديني المسيحي بتعقب الانتماءات الدينية للمسؤولين الأميركيين المنتخبين، فحسب تصنيف موقع متخصص للانتماءات الدينية لعدد من مجموعات اجتماعية وسياسية شتى، نجد أن 93% من أعضاء الكونغرس -بما في ذلك الشيوخ والنواب- يعرفون بأنهم مسيحيون.
ويشكل الكاثوليك ما نسبته 28.8% من الكونغرس بمجلسيه، أما المجموعات المسيحية المنضوية تحت المسيحية البروتستانتية فإنها تشكل ما تزيد نسبته عن 35% وأهم المجموعات البروتستانتية في الكونغرس طوائف معروفة كالمعمدانيين والأسقفيين والنظاميين، كما أن الكنيسة الإنجلية تشكل ما يقرب من 8% من أعضاء الكونغرس في حين يحتل اليهود 7%. على المستوى الخارجي يبدو أن الكونغرس الأميركي تهيمن عليه أغلبية مسيحية”
وكل ذلك يعتبر موافقا لما نقله ستيفن زونز “”إن اليمين المسيحي الأن يمثل واحدا من كل سبعة ناخبين في الولايات المتحدة ويسيطر على أجندة الحزب الجمهورية في نصف الولايات تقريبا تحديدا في الولايات الجنوبية والوسطى”.
يقول إبراهيم الحمامي “وفي هذا السياق ظهرت إشارات الرئيس بوش إلى الخير والشر التي تجسّـدت في أجلى صورها في خطابه المشهور عن حالة الاتحاد الأمريكي حينما قدم للعالم تصوره الفريد لوجود محور للشر في العالم يجمع بين العراق وإيران وكوريا الشمالية، وكذلك إشارته في أعقاب هجمات سبتمبر الإرهابية إلى بدء نضال عارم بين الخير والشر، حيث سينتصر الخير في نهاية المطاف، وهي إشارة سبق واستخدمها اليمين الديني الأمريكي على لسان الرئيس الراحل رونالد ريغان حين وصف الولايات المتحدة بالدولة المسيحية التي تشكّـل قوى الخير في مواجهة الاتحاد السوفياتي الذي وصفه في الثمانينات بأنه «إمبراطورية الشر».
ولا عجب في نزوع الرئيس بوش لاستخدام تعبيرات اليمين المسيحي الديني، حيث أنه اختار في بداية حملته الانتخابية السابقة رالف ريد الرئيس السابق للتحالف المسيحي ليشغل منصب المخطط الاستراتيجي لسياساته.
وفيما واصل الرئيس بوش في حملته الانتخابية الحالية خطب ودّ اليمين الديني المسيحي الأمريكي، يحاول أنصاره في صفوف ذلك اليمين استغلال الدين في الترويج لإعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية، فقد وقف بات روبرتسون أمام حشد كبير من اليمينيين المسيحيين في برنامجه التليفزيوني الذي يُـبث في كل الولايات الأمريكية ليقول:«لقد منح الرب بركاته لجورج بوش، وربما يكون قد ارتكب أخطاء فادحة وخرج منها سليماً، ولكن ذلك لا يهم، فقد اختار الرب جورج بوش لأنه رجل يصلي للرب، وباركه الرب».
وفي أحدث دراسة أجرتها مؤسسة «بيو» لبحوث الرأي العام تبين أن72% من الأمريكيين يريدون أن يكون رئيس الولايات المتحدة على قدر كبير من الإيمان الديني، وأن يستعين الرئيس بذلك الإيمان كمُـرشد في رسم السياسة، غير أن الدراسة أظهرت كذلك قلق غالبية الأمريكيين من تدخل الزعماء الدينيين والكنائس الكبرى في السياسات الحزبية.
لذلك لم يكن غريباً أن يتنافس المرشح الديمقراطي جون كيري مع الرئيس بوش في الحديث بصراحة أكبر عن إيمانه الديني، وزياراته المتلاحقة لمختلف الكنائس، والحديث عن دور الرب في حياته.
وواظب كيري الذي تحوّل أبوه من اليهودية إلى المسيحية على حضور قُـداس الأحد في الكنائس الكاثوليكية بانتظام، ليلحق بالشعبية التي يتمتع بها منافسه الجمهوري بوش بين المسيحيين المحافظين.